![]() |
| الحجج الخاصه بسلطان الحل والربط وغفران الخطايا والحرمان وسلطان الرسل |
[إن
المسيح أعطى تلاميذه سلطاناً لمغفرة الخطايا وإمساكها، فقد قال لهم "اقْبَلُوا
الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ
خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يوحنا 20: 22). ومن ثم يكون هذا السلطان قاصراً عليهم
وعلى خلفائهم الموجودين في الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية، ويكون البعيدون عن
هاتين الكنيستين لا غفران لهم على الإطلاق].
الرد (أ) إن الغفران أو عدم الغفران
هو من حق الله دون سواه. ففي العهد القديم قال داود النبـي لله "غَفَرْتَ
إِثْمَ شَعْبِكَ. سَتَرْتَ كُلَّ خَطِيَّتِهمْ" (مزمور 85: 2)، كما قـال عنه إنه
"أَمَّا هو فَرَأوفٌ يَغْفِرُ الإِثْمَ وَلاَ يُهْلِكُ" (مزمور 78: 38) وفي
العهد الجديد قال بولس الرسول للمؤمنين "غَفَرَ لَكُمُ الْمَسِيحُ" (كولوسي
3: 13) و "يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا" (1يوحنا 1: 9) ومن جهة عدم المغفرة،
قال يشوع لليهود عن الله إنه "وَإِلَهٌ غَيُورٌ هو" (يشــوع 24: 19)، لأنــهم
تركـوا الله ورجـعـوا إلى عبادة الأوثان. وقال صموئيل عن الله إنه "وَلَمْ يَشَأ
الرَّبُّ أن يَغْفِر" لليهود (2ملوك 24: 4) لأنهم سفكوا دماً بريئاً. ولذلك خاطبه
أرميا النبي مرة قائلاً "نَحْنُ أذنَبْنَا وَعَصِينَا. أَنْتَ لَمْ تَغْفِرْ"
(مراثي 3: 42)
أما الآيات التي نحن بصددها، فالمسيح لا يقصد
بها أن يعطي تلاميذه سلطانه الشخصي من جهة مغفرة الخطايا أو عدم مغفرتها، والدليل على
ذلك أنه لم يقل واحد منهم لإنسان ما "مغفورة لك خطاياك" كما كان المسيح يقول
من قبل. بل كانوا جميعاً يوجهون أنظار الخطاة إلى الله لكي يحصلوا منه مباشرة على الغفران.
فبطرس الرسول (مثلاً) عندما اكتشف خطية سيمون
الساحر قال له "فَتُبْ مِنْ شَرِّكَ هَذَا وَاطْلُبْ إلى اللهِ عَسَى أن يُغْفَرَ
لَكَ فِكْرُ قَلْبِكَ" (أعمال 8: 22)
وإذا كان ذلك كذلك، أدركنا أن المسيح بإعطائه
هذا السلطان لتلاميذه، لم يتنازل عنه لهم وأصبحوا هم الواسطة التي يلجأ إليها الناس
للحصول على الغفران، بل خوللهم فقط حق إرشاد الناس إلى ما يجب عليهم القيام به من أمور
حتى تغفر خطاياهم، فإذا قاموا بها أعلنوا لهم غفران خطاياهم، وإذا لم يقوموا بها أنذروهم
بإمساكها. وهذه الأمور هي التوبة والإيمان الحقيقي، كما يتجلى على كل صفحة من صفحات
الوحي.
(ب) ويرجع السبب في ذلك إلى أن الإنجيل
الذي يعلن السبيل إلى غفران الخطايا أو إمساكها لم يكن قد كتب بعد. وأن
الروح القدس العامل في التلاميذ (والذي كان المسيح قد طلب منهم أن يقبلوه، قبل إعطائهم
التفويض بإعلان غفران خطايا الناس أو إمساكها) هو الذي كان يحل محل الإنجيل وقتئذ،
ومن ثم كانوا هم الواسطة الإلهية التي يعرف الناس عن طريقها السبيل إلى غفران الخطايا
أو إمساكها كما ذكرنا، وكان من الواجب على الناس أن يسمعوا أقوالهم وينفذوا إرشاداتهم
بكل دقة وإخلاص. أما وقد كتب الإنجيل ووصل إلى أيدينا كاملاً، فلسنا في حاجة بعد (ما
دمنا نستطيع أن نقرأ ونفهم) إلى إنسان ما، مهما كان مركزه الديني، لكي يعلن لنا أن
خطية ما قد غفرت أو أمسكت. إذ يمكننا أن نعرف كل شيء عن هذا الموضوع من الكتاب المقدس
مباشرة: فإذا لم يتب إنسان ويؤمن إيماناً حقيقياً بالمسيح فلن تغفر له خطاياه، حتى
إذا أعلن له رجال الدين جميعاً أنها تغفر، والعكس بالعكس.
(ج) أخيراً نقول أن الرسل كانوا يستعملون
سلطان غفران الخطايا وإمساكها، ليس حسب آرائهم الشخصية (كما يفعل الذين يسندون إلى
أنفسهم هذا السلطان في الوقت الحاضر)، بل حسب مشيئة الله وحدها. ولذلك
كانوا يطلبون الصفح للناس الذين يسيئون إليهم إساءات شخصية، عملا بقول المسيح
"أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ" (متى 5: 44) ولذلك طلب بولس الرسول من الله ألا
يحسب للذين تركوه أثناء محاكمته، خطية عدم تعاونهم معه. أما الذين قاوموا الإنجيل،
لم يكن في وسعه أن يطلب الصفح عنهم، لأن الإساءة كانت إذ ذاك موجهة ضد الله نفسه، ومن
ثم طلب منه أن يجازيهم حسب أعمالهم (2تيموثاوس 4: 14-16).
مما تقدم يتضح لنا أنه على فرض وجود خلفاء للرسل،
فإنه لا يكون لواحد منهم سلطان غفران الخطايا أو إمساكها بالمفهوم الأرثوذكسي والكاثوليكي.
2. [إن المسيح
قال لبطـرس الرسول "وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ[2] مَلَكُوتِ السماوات" (متى
16: 19)، وهذا دليل على أن المسيح أعطاه السلطة ليفتح السماء أمام من يشاء. ومن ثم
يجب على كل الناس أن يلتجئوا إليه أو إلى خلفائه الذين في الكنيسة الكاثوليكية حتى
يكون لهم نصيب في الحياة الأبدية].
المعنى (أ) لا يراد بهذه الآية أن المسيح
أعطى بطرس امتياز فتح السماء أمام من يشاء، كما يقال، لأن ملكوت السموات ليس هو السماء،
بل هو دائرة الإيمان بالمسيح على الأرض. والدليل على ذلك، أن هذا الملكوت
كما يتضح من (متى 13: 24-50) يوجد به مؤمنون حقيقيون لهم حياة أبدية، كما يوجد به أشرار
مصيرهم العذاب الأبدي. بينما السماء ليس بها، كما نعلم، إلا المؤمنون الحقيقيون الذين
لهم حياة أبدية. وإذا كان الأمر كذلك، أدركنا أن الغرض من فتح ملكوت السموات، هو فتح
باب الإيمان بالمسيح على الأرض أمام جميع الناس دون استثناء. ولذلك إذا رجعنا إلى الكتاب
المقدس نرى أن بطرس هو الرسول الذي استخدمه المسيح للقيام بهذا العمل في أول الأمر.
ففي يوم الخمسين وعظ اليهود عن قيامة المسيح وصعوده إلى السماء، "نُخِسُوا فِي
قُلُوبِهِمْ وَسَأَلُوا بُطْرُسَ وَسَائرَ الرُّسُلِ: «ماذا نَصْنَعُ أيها الرِّجَالُ
الإِخْوَةُ؟ فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ: «تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ
عَلَى اسم يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الخطايا فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ
الْقُدُسِ...فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ وَاعْتَمَدُوا وَانْضَمَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ
نَحْو ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ" (أعمال 20: 27-41).
(ب) وبناء على رؤيا خاصة من الله، ذهب بطرس نفسه
بعد ذلك إلى كرنيليوس وأنسبائه وأصدقائه (وكانوا جميعاً من الأمم الذين لم يكن لأحد
من اليهود أن يتصل بهم وقتئذ، خشية أن يعتبر نجساً بسبب انحراف الأمم عن الله وعبادتهم
الأوثان). وبينما كان يكرز لهم بالإنجيل حل الروح القدس عليهم للدلالة على أنهم آمنوا
بالمسيح إيماناً حقيقياً وأصبحت لهم حياة أبدية) (أعمال 10: 24- 42)، على النقيض مما
كان اليهود يتوقعون أن يعتقدوا، وقد أشار بطرس الرسول مرة لليهود إلى أحقية قيامة بفتح
باب الإيمان للأمم جميعاً، فقال لهم "أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ أَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنْذُ أيام قَدِيمَةٍ اخْتَارَ اللهُ بَيْنَنَا أَنَّهُ بِفَمِي[3]
يَسْمَعُ الْأُمَمُ كَلِمَةَ الإنجيل وَيُؤْمِنُونَ" (أعمال 15: 7)، ومنذ فتح
بطرس باب الخلاص أمام جميع الناس بإرشاد الله كما ذكرنا، لا يزال هذا الباب مفتوحاً،
وما على الذين يريدون أن يتمتعـوا بهـذا الخـلاص من أي جنس من الأجناس إلا أن يؤمنوا
بالمسيح إيماناً حقيقياً. وإذا كان ذلك كذلك، فلا مجال للقول بأن حق الدخول إلى السماء،
هو في يد بطرس وخلفائه، إن كان له خلفاء[4] .
3. [إن المسيح قال لتلاميذه "الحق أقول لكم:كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى
الأرض يَكُونُ مَرْبُوطاً فِي السَّمَاءِ وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأرض يَكُونُ
مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ" (متى 18:18) وبذلك أصبح لهم أن يحاكموا الخطاة ويحكموا
عليهم بالنار على أنه ليس هناك خلاص إلا بواسطة الرسل وخلفائهم الموجودين في الكنيستين
الأرثوذكسية والكاثوليكية].
المعنى (أ) لا يستنتج من هذه الآية
أن المسيح أعطى تلاميذه سلطان غفران الخطايا أو عدم غفرانها، لأن هذا السلطان
في يده دون سواه كما ذكرنا. وكل ما يستنتج من الآية المذكورة أن الرسل إذا ربطوا خطية
إنسان على الأرض أوحلوه منها، يصادق الله على تصرفهم هذا في السماء. ويرجع السبب في
ذلك إلى أنهم كانوا يتصرفون في كل كبيرة وصغيرة من أعمالهم حسب إرشاد الروح القدس لهم،
وليس حسب آرائهم الشخصية. و"ربط الخطية" كما يتضح من الكتاب المقدس، يراد
به إعلان فداحتها وشناعتها، كما يراد به حرمان فاعلها من الاتصال بالمؤمنين والاشتراك
معهم في العبادة وتوقيع التأديب المناسب عليه في الزمن الحاضر، حتى يستفيق من غفلته
ويعود إلى صوابه و "الحل" يراد به رفع هذا التأديب عن فاعل الخطية إذا ندم
عليها وتاب عنها، وإعادته بعد ذلك إلى مكانته بين المؤمنين التي كان يشغلها من قبل[5]
.
(ب) و"سلطان الحل والربط"
لم يعطه الرب لتلاميذه بصفتهم الشخصية، بل بصفتهم باكورة المؤمنين الحقيقيين وقتئذ.
وتتضح لنا هذه الحقيقة بكل جلاء عندما نقرأ الآية التي نحن بصددها مع الآيات السابقة
لها. فقد قال الرب لكل واحد من المؤمنين "وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فاذهب
وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. أن سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ.
وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ فَخُذْ مَعَكَ أيضاً وَاحِداً أو اثنين لكي تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ
عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أو ثلاثة. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ
(أو بالحري للمؤمنين الحقيقيين الذين في بلدتك) وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ
(أو بالحري من هؤلاء المؤمنين) فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّار (أي
لا تعامله على الإطلاق). اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى
الأرض يَكُونُ مَرْبُوطاً فِي السَّمَاءِ وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأرض يَكُونُ
مَحْلُولاً فِي السَّمَاء" (متى 18: 15-18).
ولذلك لم يحتكر الرسل لأنفسهم سلطان الحل والربط،
بل كانوا يقومون به الاشتراك مع باقي المؤمنين. فمثلاً عندما سقط أحد المؤمنين في خطية
الزنا، قال بولس الرسول لأهل كورنثوس "قَدْ حَكَمْتُ..بِاسم رَبِّنَا يَسُوعَ
الْمَسِيحِ - إذ أَنْتُمْ وَرُوحِي مُجْتَمِعُونَ مَعَ قُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ
- أن يُسَلَّمَ مِثْلُ هَذَا (الزاني) لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ (أو بالحري
لإصابتـه بالأمراض الفتاكـة) لكي تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ"
(1كورنثوس 5: 3-5)[6]
(ج) ومن باب الحل والربط بصفة عامة، قول الرسول
لنا: "إِنْ رَأى أَحَدٌ أَخَاهُ يُخْطِئ خَطِيَّةً لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ، يَطْلُبُ
(من الله)، فَيُعْطِيهِ حَيَاةً لِلَّذِينَ يُخْطِئونَ لَيْسَ لِلْمَوْتِ. تُوجَدُ
خَطِيَّةٌ لِلْمَوْتِ. لَيْسَ لأجل هَذِهِ أَقُولُ أن يُطْلَبَ" (1يوحنا 5:
16)، فالمؤمن (أو بالحري المؤمن الحقيقي) السائر في خوف الله، بوصفه عارفاً بفكر المسيح
عن طريق الطاعة القلبية له والشركة الروحية معـه (1كورنثوس 2: 26)، إذا رأى أخاً قد
ارتكب خطية (شنيعة أوخطية تكرر ارتكابه لها يوقع الله عليه بسببها مرضاً ما، وأدرك
أن الله قد أمسك على هذا الأخ خطيته، يجب ألا يصلي لأجل شفائه، بل أن يتركه وشأنه تحت
التأديب الإلهي حتى إذا أدى به الأمر إلى المـوت. وإن رأى آخر قد ارتكـب خطيـة (صغيرة
نسبياً أوخطية لم يسبق له السقوط في مثلها) يوقع الله عليه بسببها مرضاً، يمكن أن يصلي
لأجل شفائه حتى ينهض الأخ المذكور من مرضه، ويستأنف حياته على الأرض في خدمة الرب وعمل
مشيئته.
أما القول [إن الموت في الآية التي نحن بصددها
يراد به العذاب الأبدي] فليس بصواب، لأننا لو سلمنا بهذا القول، لكانت هناك خطايا لا
تستحق العذاب المذكور. وهذا ما يتعارض مع الكتاب المقدس كل التعارض، لأنه يعلن لنا
أن من قال فقط "يا أحمق" يكون مستوجباً نار جهنم (متى 5: 22)، وإذا كان ذلك
كذلك، أدركنا أن الموت هنا لا يراد به إلا الموت الجسدي تحت التأديب كما ذكرنا.
(ه) أخيرا نقول أن سلطان ربط الخطايا
الذي كان يمارسه الرسل كان مصحوبا بقوة معجزية فمثلاً: لما قاوم عليم الساحر
إنجيل الله، قال له بـولس الرسـول "فَالآنَ هو ذَا يَدُ الرَّبِّ عَلَيْكَ فَتَكُونُ
أَعْمَى لاَ تُبْصِرُ الشَّمْسَ إلى حِينٍ. فَفِي الْحَالِ سَقَطَ عَلَيْهِ ضَبَابٌ
وَظُلْمَةٌ فَجَعَلَ يَدُورُ مُلْتَمِساً مَنْ يَقُودُهُ بِيَدِه" (أعمال 13:
11) حتى يتوب عن شره ويؤمن بالمسيح، لأنه لم يكن مؤمناً به. والذي ارتكب خطية الزنا
في ساعة من ساعات الطيش، طلب الرسول من المؤمنين ألا يخالطوه، وليس هذا فحسب بل أسلمه
للشيطان ليهلك جسده حتى تخلص روحه في يوم الرب يسـوع (1كورنثوس 5: 15) كما ذكرنا فيما
سلف[7].
والذين استهانوا بمائدة الرب أصابهم الله بالضعف
والمرض والموت أيضاً. حتى لا يدانوا مع العالم (1كورنثوس 11: 3)، لأنهم مع الشخص الذي
ذكرناه من قبل كانوا من المؤمنين الحقيقيين. وإذا ذلك كذلك، أدركنا أنه لو كان للرسل
خلفاء في الوقت الحاضر، لا يكون لهم سلطان على غفران الخطايا أو ربطها، بمعنى إنقاذ
فاعليها من جهنم أو إلقائهم فيها، حسب المفهوم الأرثوذكسي والكاثوليكي. كما أدركنا
أنه نظراً لأن الذين يسندون إلى أنفسهم وحدهم سلطان الحل والربط في الوقت الحاضر، لا
يستطيعون أن يبرهنوا على أحقيتهم فيه بأعمال معجزية كما كان يفعل الرسل من قبل، يكون
إسنادهم هذا السلطان إلى أنفسهم فقط، مجرد تقليد لا يرفع من شأنهم أو قدرهم، إذ يكون
مثلهم مثل الخادم الذي يقلد سيده في حديثه وأعماله، فإنه مهما أتقن تقليده لا يرتفع
إلى مركز سيده على الإطلاق.
4. [إن سلطان الحل والربط بالمفهموم الأرثوذكسي والكاثوليكي، كان موجوداً في
الكنيسة منذ نشأتها، ومن ثم يكون منقولاً عن الرسل أنفسهم].
الرد: هذا الاعتقاد ليس بصواب، لأنه
بالرجوع إلى التاريخ[8] نرى: (أ) أن سلطان الربط لم يكن في يد رجال الدين مهما كان
شأنهم، بل كان في الكنيسة (أو بالحري المؤمنين الحقيقيين كما ذكرنا)، وذلك
لغاية القرن الثالث. وكان هذا السلطان قاصراً على حرمان المخطىء من العشاء الرباني
وولائم المحبة، ولكن في القرن الرابع أخذ بعض الأساقفة يحتكرونه لأنفسهم شيئاً فشيئاً،
حتى تم لهم ذلك نهائياً بواسطة مجمع رومية سنة 502م.
(ب) وبعد ذلك حولوا هذا السلطان إلى
حق القضاء باللعنة وبالحرمان (الأناثيما) معا، ومن ثم أخذوا يصبون اللعنة
الواردة في (تثنية 27، 28) على الخاطئين ويقضون بطردهم من الكنيسة وحرمانهم من السماء
أيضاً. فثار ضدهم كثير من القديسين ووجهوا نظرهم إلى أن اللعنة تكون على أعمال المخطئين
لا على المخطئين أنفسهم، وإلى أن الحرمان من السماء ليس في يدهم بل في يد المسيح وحده.
لكن الأساقفة المذكورين لم يصغوا لأقوالهم على الإطلاق.
(ج) فضلاً عن ذلك لما أصبح لكنيسة روما سلطة
مدنية في القرن التاسع، قرر مجمع بافيا سنة 508 م أن المحروم من الكنيسة لا يعين في
الوظائف الحكومية ولا تقبل شهادته أمام المحاكم، ولا تعتمد وصيته الأخيرة، ولا يدفن
إلا كما يدفن الحمار. كما أن الأساقفة بعد ما كانوا يستعملون سلطان الحرم ضد المخطئين
الذين في كنائسهم فحسب، أخذوا يستعملونه ضد من لايقضون لهم حاجتهم، حتى إذا كانوا بعيدين
عن نفوذهم الديني. ومن ثم فلا مجال لهذه الحجة أيضاً.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق